بالعربية

في إفطار رمضاني في أبريل، ألقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كلمة أعلن في 2011، أعلن السيسي عن إطلاق حوار وطني كجزء من تأسيس "جمهورية جديدة"، وهي المرة الأولى خلال رئاسته التي يدعو فيها إلى مثل هذا التجمع. وفي حضور شخصيات معارضة مهمشة سابقًا، أعلن السيسي أن الحوار سيتفق على الأولويات الوطنية لمساعدة مصر على الانتقال إلى "دولة مدنية حديثة وديمقراطية تستوعب جميع مواطنيها". كما أعلن عن إعادة إطلاق لجنة العفو الرئاسي لتوصية السجناء بالإفراج عنهم. 

بعد سنوات من سجن نظامه لعشرات الآلاف من أعضاء المعارضة السلمية، ومع ظهور الحوار الوطني، أصبح السيسي الآن يؤكد إن الحوار هو حوار مفتوح، ولكن هل يفتح الحوار صفحة جديدة من العلاقات الإيجابية بين النظام والمعارضة، أم أنه مجرد تمرين فارغ آخر من تمارين العلاقات العامة التي يمارسها السيسي؟

في هذه المقابلة مع خبير مشروع POMED، يتحدث المحامي المصري في مجال حقوق الإنسان حليم حنيش مع خبير مشروع POMED ايمي هوثورن في هذا المقال سنتحدث عن العوامل التي دفعت السيسي إلى عقد الحوار، وما نعرفه ــ وما لا نعرفه ــ عن كيفية إدارته ومن سيتم دعوته، وكيف تفاعلت المعارضة مع الحوار، وما إذا كان هذا التجمع قادرا على أن يؤدي إلى إصلاح ذي معنى أم لا.*

 

بوميد: لماذا تعتقد أن السيسي يريد عقد الحوار؟ 

حليم حنيش: وفي اعتقادي أن هناك أسباباً عدة وراء دعوة السيسي للحوار الوطني في هذا الوقت، بعضها محلي يتعلق بالظروف السياسية والاقتصادية الداخلية في مصر، وبعضها الآخر مرتبط بأحداث إقليمية وعالمية.

ومن بين الأسباب الداخلية الرئيسية السخط الشعبي على الأوضاع الاقتصادية خلال السنوات القليلة الماضية من حكم السيسي. فبعد سنوات من السياسات الاقتصادية التي أثبتت فشلها، يسعى السيسي ووسائل الإعلام التي يسيطر عليها إلى التهرب من المسؤولية تحت ستار الحوار الوطني مع المعارضة ومحاولة إيجاد حلول للأزمة.

وهناك نقطة أخرى مهمة، وهي أن المؤشرات تشير إلى أن مصر سوف تضطر قريباً إلى تطبيق إجراءات اقتصادية قاسية للغاية، من شأنها أن تتسبب في معاناة الملايين من المواطنين من ذوي الدخل المنخفض. وربما يريد السيسي أن تأتي هذه الإجراءات في صورة توصيات من الحوار الوطني، حتى لا يتحمل المسؤولية وحده.

علاوة على ذلك، يحاول السيسي استغلال الحوار الوطني لتحسين صورته الدولية، ويحاول التخفيف من حدة الانتقادات الموجهة إليه وإلى نظامه من جانب وسائل الإعلام الغربية ومنظمات حقوق الإنسان، والتي جاءت بعد سنوات من إغلاق المجال العام أمام الأحزاب والحركات المدنية.

وهناك سبب مهم آخر لا يمكن إغفاله، وهو الزخم الذي أحدثه الحوار الوطني على المستوى الوطني والدولي، والذي ستحاول مصر الاستفادة منه لزيادة القروض الخارجية والتغلب على أزمتها الاقتصادية. وقد يسمح هذا الوضع للسيسي بإقناع المقرضين والمانحين ــ وأهمهم صندوق النقد الدولي والحكومة الأميركية ــ بأن البلاد تتغلب على أزماتها السياسية ولا تعاني من انقسامات اجتماعية، من أجل تشجيع المساعدات الدولية المشروطة بتحسينات حقوق الإنسان وفتح المجال العام، كما يحدث سنويا مع جزء من اللاجئين. المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر.

ولا يمكن أن نغفل أيضا أن مصر ستستضيف مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP 27) في شرم الشيخ في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. ومن المؤكد أن السيسي يسعى إلى حضور أكبر عدد ممكن من زعماء العالم للمؤتمر، بقيادة الرئيس جو بايدن. ولذلك فهو يريد الظهور بمظهر المتعاون مع المعارضة وتلميع صورة النظام دوليا. 

كل هذه الأسباب تؤكد هدف الحوار الوطني الذي يستخدمه السيسي للتهرب من مسؤولياته الداخلية، وخاصة الأزمة الاقتصادية، وتحسين صورته خارجيا بعد سنوات من وصفه بالرجل الفاسد. دكتاتور إن الحوار الوطني الحقيقي من شأنه أن يشكل فرصة لحل الأزمات السياسية والاقتصادية التي تعيشها مصر. ولكن ما أراه الآن هو "حوار" وطني لا يهدف إلا إلى صرف أنظار جماعات المعارضة عن انتقاد نظام السيسي، بدلاً من التركيز على إيجاد الحلول.

 

أخبرنا كيف قام النظام بتنظيم التجمع حتى الآن: من الذي يختار المشاركين، ويضع جدول الأعمال، ويدير الحدث؟ 

بدأت المحادثات حول الحوار الوطني في أبريل/نيسان، عندما كلف السيسي رئيس الجمهورية بتشكيل الحكومة. وقد أعلن عن تشكيل هيئة للأكاديمية الوطنية للتدريب، التابعة لرئاسة الجمهورية، والتي تضم رئيس المخابرات العامة اللواء عباس كامل كأحد أعضائها. ثم تلا ذلك إطلاق موقع إلكتروني لتلقي طلبات الراغبين في المشاركة. ثم أعلنت الأكاديمية أن منسق عام الحوار هو ضياء رشوان، رئيس الهيئة العامة للاستعلامات ونقابة الصحفيين، فيما تم تعيين محمود فوزي، الأمين العام للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أميناً عاماً للجنة الفنية للحوار. ويمكن وصف هذين الشخصين بأنهما من "رجال النظام"، أي من يعمل في مناصب عليا في الدولة. وفي رأيي أن عدم التشاور الجاد مع المعارضة بشأن هذه التعيينات يعطي انطباعاً بعدم جدية النظام في إجراء حوار شفاف وحقيقي.

وتكرر هذا الوضع في يوليو/تموز، عندما أعلن رشوان عن هيئة تنظيمية أخرى للحوار، وهي مجلس الأمناء، الذي يتولى اختيار من سيتم دعوتهم والموضوعات التي سيتم مناقشتها. أسماء شنومك هناك عدد قليل من الشخصيات المعارضة التي تؤيد السيسي، مثل المحامي الحقوقي المعروف نجاد البرعي، وعضو تحالف 25-30 أحمد الشرقاوي، وعضوة الحزب الديمقراطي المصري أميرة صابر. 

وقد ركزت اجتماعات مجلس الأمناء حتى الآن على المواضيع التي سيتناولها الحوار. وفي التاسع عشر من يوليو/تموز، قرر المجلس ثلاثة "محاور" للمناقشة ـ السياسية والاجتماعية والاقتصادية ـ وأعلن بعد ذلك عن اللجان الفرعية لكل منها.[1]

ولكن حتى الآن لم تكن عملية إعداد الحوار شفافة، ولا تزال هناك أسئلة كثيرة، من أهمها: 

  • كيف سيتم إجراء الحوار؟
  • من سيتم دعوتهم للمشاركة في اللجان الفرعية المختلفة؟
  • هل سيتم بث الجلسات على الهواء مباشرة عبر التلفزيون، وسيتم دعوة الصحافة للحضور، حتى يتمكن كل المصريين من مشاهدة الحوار؟
  • ما هي آلية اتخاذ القرار ومصير مخرجات الحوار؟
  • هل ستكون النتائج ملزمة للدولة بتنفيذها أم أنها مجرد مقترحات؟

 

هل لدينا أي فكرة عن من سيتم دعوته إلى مناقشات الحوار الفعلية؟ ومن هو لست هل سيتم دعوتي؟

وعندما أعلن السيسي الحوار، ادعى في الأسابيع التي تلت ذلك، دار نقاش حيوي بين منظمي الحوار حول ما إذا كان ممثلو جماعة الإخوان المسلمين سيُدعون أم لا. يوليو ٢٠٢٠وتراجع السيسي عن كلامه وأغلق الباب أمام مشاركة الإخوان عندما قال: وأشار أن الحوار سوف يشمل "الجميع" باستثناء "فصيل واحد"، وهو ما فهم على نطاق واسع على أنه يشير إلى المجموعة.

وقد ظهر شرط جديد لحضور الحوار في أول اجتماع لمجلس الإدارة في يوليو/تموز، عندما صرح رشوان بأنه سيستبعد أي شخص لا يقبل دستور 2014 كأساس لحكم البلاد. ومنذ ذلك الحين، لم يلتزم بالدستور. ادعى أن الحوار سيشمل أربعمائة مشارك، وقد أكد فوزي محمد إن مجلس الأمناء هو المسؤول في النهاية عن اختيار المدعوين. وحتى كتابة هذه السطور، كشف المنظمون عن أسماء عدد قليل جدًا من المدعوين، مثل المحلل السياسي والباحث عمرو حمزاوي، مدير برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في واشنطن، والذي عاد إلى القاهرة هذا الصيف بعد سنوات من المنفى الاختياري. وظهر حمزاوي في مقابلات تلفزيونية ليؤكد موافقته على الشروط التي أعلنها النظام، معترفًا بأن مرجعية الحوار هي الاعتراف بدستور 2014. لكن حمزاوي تجاهل حقيقة أن دستور 2014 تم تعديله في عام 2018 للسماح للسيسي بالبقاء في السلطة حتى عام 2032، بدلاً من عام 2022، ومنحه سلطات غير مسبوقة في جميع مجالات الدولة. 

 

ما هو رد فعل مختلف القوى المعارضة والمدنية حتى الآن على فكرة الحوار؟ وهل سيشارك بعضها، وإذا كان الأمر كذلك، فبأي شروط؟ 

حتى الآن لم يتم رفض مقترح الحوار الوطني علناً من قبل أي قوى سياسية. 

وسارع بعض الشخصيات السياسية إلى الترحيب بالفكرة، مؤكدين على ضرورة قبول الدعوات دون شروط، ومن بينهم ضياء رشوان وحمدين صباحي، المعارض الذي ترشح ضد السيسي في الانتخابات الرئاسية عام 2014.

المعارضة المصرية داخل البلاد والمتمثلة في الحركة المدنية الديمقراطية (CDM) - تحالف عدد من أحزاب المعارضة العلمانية والسياسيين[2]- عقد عدة اجتماعات بعد إعلان السيسي لمناقشة هذه القضية و في يونيو 8 أصدرت اللجنة الوطنية للحوار بيانا حول معايير المشاركة، ومن أبرز هذه المعايير أن يكون الحوار:

  • - أن يتم تنظيمه تحت رعاية الرئاسة، حيث أن السيسي هو الوحيد القادر على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه؛
  • إشراك عدد متساوٍ من شخصيات النظام والمعارضة في كافة الجلسات؛
  • أن يتم ذلك قريبًا وأن يكون مفتوحًا وشفافًا؛ و
  • تشمل أمانة فنية لإعداد وإدارة الحوار، وكذلك كتابة تقرير عام حول ما يحدث أثناء الحوار.

وقد برزت خلافات بين الأطراف والأفراد في آلية التنمية النظيفة بشأن هذه المعايير، بما في ذلك بين أولئك الذين أرادوا أن تكون هذه المعايير شروطاً يجب ضمانها مقابل المشاركة في الحوار، وليس مجرد "رغبات".

كما طالب بعض الأعضاء بمقاطعة الحوار بسبب تأخر النظام في إطلاق سراح المعتقلين السياسيين المحتجزين احتياطيا، لكنهم عقدوا اجتماعا وقرروا عدم المقاطعة، واختاروا بدلا من ذلك الاستمرار في إثارة قضية الاعتقالات في محادثات مباشرة مع القائمين على الحوار وفي تصريحات علنية. وقال النائب البرلماني السابق أحمد طنطاوي، رئيس حزب الكرامة داخل الحركة الديمقراطية الشعبية، استقال من هذا المنطلق، أبدت القوى السياسية داخل مصر رفضها لقرار آلية الحوار، وواصلت التعبير عن قضية الإفراج عن المعتقلين السياسيين باعتبارها مطلباً للنظام وليس شرطاً مسبقاً للحوار.

وقد أبدت لجنة الحوار الوطني خيبة أملها من تعيين رشوان وفوزي، وذلك لأنها اعتبرت هذه الخطوة عملاً أحادي الجانب يلقي بظلال من الشك على نوايا النظام في إقامة حوار حقيقي، ولأن الشخصيتين تعملان في النظام وليستا مستقلتين. ورغم هذا، لم تغير لجنة الحوار الوطني موقفها من المشاركة، ورحبت بحذر بتشكيل مجلس الأمناء، حيث قال مصدر واحد إن اللجنة لم تتلق أي رد فعل من أي جهة. قول أن المنظمين قبلوا اثنين من الأسماء الخمسة التي اقترحتها الحركة. 

ومن زاوية أخرى، أطلقت مجموعة من السياسيين والصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان والمحامين والشخصيات العامة بقيادة السجين السياسي السابق رامي شعث حملة عريضة في مايو/أيار الماضي بهدف اتخاذ إجراءات لاستعادة ثقة المصريين في المشاركة السياسية قبل بدء الحوار. وحتى الآن، لم تتلق أي جهة حتى الآن أي رد فعل من جانب الحكومة. عريضة وقد تم التوقيع عليها من قبل مئات من المعارضة الأرقام. وتشمل مطالبهم: 

  • الافراج عن كافة المعتقلين السياسيين، 
  • فتح المجال العام للمجموعات السياسية، 
  • رفع الحجب عن المواقع الالكترونية 
  • - إنهاء جميع أشكال الاعتقال التعسفي لمن يعبرون عن آرائهم السياسية،
  • - التحقيق وتقديم المعلومات عن الأشخاص الذين قامت الدولة بإخفائهم قسراً،
  • وضع حد لاستخدام قوانين مكافحة الإرهاب، بما في ذلك إدراج الأشخاص على ما يسمى بقوائم الإرهابيين، لمضايقة الشخصيات المعارضة.

وتشير الأدلة إلى أن الوضع لا يسير في الاتجاه الصحيح. ففي أغسطس/آب، اعتُقل عضو مجلس الإدارة نجاد البرعي و18 من المحامين والناشطين البارزين في مجال حقوق الإنسان. حذر وفي رسالة إلى ضياء رشوان حذروا من أن الحدث "سيفتقر إلى المصداقية" ما لم يلتزم النظام أولاً باحترام حقوق الإنسان التي يضمنها الدستور. ودعوا منظمي الحوار إلى دعم الخطوات الرامية إلى تخفيف الضغوط على مجتمع حقوق الإنسان علناً، بما في ذلك إنهاء حظر السفر غير العادل وتجميد الأصول ومراجعة قانون المنظمات غير الحكومية القمعي. 

أما بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين، فقد كانت الجماعة في البداية رحب ولكن النظام أعلن عن الحوار، رغم أنه اشترط عدداً من الشروط للمشاركة فيه، مثل إطلاق سراح المعتقلين، وفتح المجال العام، ووقف الإعدامات. وبعد أن أوضح النظام أن الإخوان لن يوجه إليهم الدعوة، أعرب القائم بأعمال زعيمهم المقيم في لندن إبراهيم منير عن استيائه، قول "إن الحوار ضروري حقًا ولكنه يجب أن يشمل الجميع".

إن كل هذا يوضح إلى أي مدى تفاعلت القوى السياسية المعارضة في مصر، سواء في الداخل أو الخارج، مع دعوة النظام إلى الحوار. وأعتقد أن تفاعلها الحذر إيجابي للغاية، لأن كل مطالبها تهدف إلى توليد حوار وطني قادر على انتشال مصر من أزماتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

في رأيي أن الكرة الآن في ملعب النظام، فإذا كان يعمل بحسن نية، فعليه أن يثبت جديته من خلال إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وفتح المجال العام للأحزاب السياسية ومنظمات حقوق الإنسان.

 

هل هناك خطورة على المعارضة في المشاركة – وأيضاً خطورة في عدم المشاركة؟

بالتأكيد، أعتقد أن هناك خطورة على من يرفض المشاركة في الحوار، خاصة إذا كان رفضه علنيا. لقد شهدنا ما حدث مع أحمد طنطاوي، الذي لم يكن يريد سوى زيادة مطالب المعارضة مقابل المشاركة في الحوار. الرئيس نفسه هاجم وقال طنطاوي في تصريحات له خلال مؤتمر صحفي، دون أن يذكر اسمه بشكل مباشر، بعد ذلك تعرض البرلماني السابق لهجوم شديد من وسائل الإعلام التابعة للدولة، وهو الآن خارج مصر.

وفي رأيي أن الهجوم الذي تعرض له طنطاوي والذي أدى إلى استقالته من حزبه ومغادرته البلاد ـ تحت ظروف غامضة- رسالة من الدولة لكل من يفكر في الانحراف عن مسار الحكومة، أو إعلان انسحابه من الحوار، أو حتى المشاركة فيه والقول بما لا يرضي السلطة. كما أعتقد أن تباطؤ النظام في تنفيذ المطالب الأساسية للمعارضة، وهي إطلاق سراح عدد كبير من المعتقلين السياسيين، ووقف اعتقال آخرين لمجرد التعبير عن آرائهم، ورفع الحجب عن المواقع الإلكترونية، أمر محبط للكثيرين، وخاصة المقيمين في الخارج.

 

هل يمكن للحوار أن يحقق أي شيء مفيد في إيجاد حلول لبعض التحديات الخطيرة التي تواجه مصر في الوقت الراهن، أم أنه مجرد تشتيت للانتباه عن إيجاد الحلول؟

لا يزال الكثير من الأمور غير واضحة بشأن الحوار، ولكن المؤشرات حتى الآن تشير إلى أن السيسي ليس لديه رغبة حقيقية في خلق حوار وطني حقيقي. وكما ذكرت من قبل، فإن قرار النظام بتعيين منسق وأمين عام دون حتى التشاور مع المعارضة ــ واختيار شخصيات تعمل لصالح الحكومة وتتلقى رواتبها منها ــ يشير إلى هذا الاتجاه.

وبغض النظر عن نوايا النظام الحقيقية، فإن الجانب الإيجابي في الدعوة إلى الحوار هو رد فعل المعارضة المدنية، التي أثبتت أنه على الرغم من تضييق المجال العام والاعتقالات المكثفة التي تعرضت لها في ظل نظام السيسي، فإن لديها رؤية واضحة لنجاح الحوار. لقد أظهروا أنهم قادرون على الرد على النظام بشكل منظم، وتقديم مطالب واضحة، والانخراط والتنسيق مع السلطات. وهذا يدل على أن المعارضة لا تزال موجودة، ولم يتم سحقها بالكامل، ولا تزال قادرة على النشاط، حتى بالأدوات القليلة المتاحة. وعندما ظهرت فرصة الحوار الوطني، استجابوا. وهذا يشير إلى أن الفاعلين السياسيين في مصر يحاولون التعاون مع النظام في إيجاد الحلول، على الرغم من كل المضايقات والقيود التي تعرضوا لها في ظل حكم السيسي.

ومن النتائج الإيجابية الأخرى التي تحققت حتى الآن أن اقتراح الحوار الوطني حفز اهتماماً جديداً بالسياسة بين المصريين، بما في ذلك بين شخصيات الأحزاب السياسية والناشطين، وخاصة أولئك الذين يعيشون خارج البلاد. فقبل إعلان السيسي عن الحوار، كان الحديث عن السياسة في مصر، سواء على القنوات التلفزيونية التي تسيطر عليها الدولة بالكامل أو داخل الأحزاب السياسية، من المحرمات بسبب خوف الناس من التداعيات الأمنية. وكان المجال العام مغلقاً في الأساس أمام الجميع باستثناء النظام وأنصاره. والآن، في الأشهر القليلة الماضية، سُمح لبعض شخصيات المعارضة السياسية بإجراء مقابلات على شاشات التلفزيون، وتمكن بعضهم من العودة إلى الكتابة في بعض الصحف. 

ومع ذلك، واصلت قوات الأمن السيطرة على المشهد. ولم تتوقف حملة القمع والاعتقالات حتى بعد أن أعلن السيسي عن الحوار الوطني. وتشمل الإجراءات القمعية الأخيرة اعتقال للمذيعة هالة فهمي الاختفاء القسري من اليوتيوبر محمد أنيس، و أحكام بالسجن طويلة حكمت المحكمة الجزائية المتخصصة في قضايا الإرهاب على المرشح الرئاسي السابق عبد المنعم أبو الفتوح ونائبه في حزب مصر القوية محمد القصاص (15 و10 سنوات على التوالي)، بعد أن قضيا أكثر من أربع سنوات في الحبس الاحتياطي. متجدد الحبس الاحتياطي ما لا يقل عن أربعة آلاف سجين سياسي في الأشهر الأخيرة، بالإضافة إلى القيود وفرضت عقوبات قاسية على العديد من السجناء مثل علاء عبد الفتاح وأحمد دومة. 

وأخيرا، أرى أن هناك قدرا كبيرا من عدم اليقين لا يزال قائما بشأن نوايا النظام تجاه هذا الحوار ومدى جدوى الحوار كوسيلة للنقاش الحقيقي. ولكن التفاعل والزخم الذي صاحب دعوة الحوار أثبتا بما لا يدع مجالا للشك أن قوى المعارضة وجماعات حقوق الإنسان لا تزال قادرة على التفاعل والتعبير عن مطالب واضحة وإظهار حسن النية في التعاون مع النظام. ويبقى السؤال الأكثر أهمية: هل السيسي مستعد حقا لحوار حقيقي؟

 

حليم حنيش هو محامي بالمفوضية المصرية للحقوق والحريات، وحسابه على تويتر @HenishHalem. ايمي هوثورن هو نائب مدير الأبحاث في POMED.

 

*يتوجه المحررون بالشكر إلى ياسمين الحسن من مشروع POMED على مساعدتها في الترجمة والتحرير.

 

الملاحظات


1. ووفقاً لوكالة مجلس الأمناء، واللجان الفرعية للمحور السياسي هي الحقوق السياسية والتمثيل التشريعي والأحزاب السياسية وحقوق الإنسان والحريات العامةوتضم اللجان الفرعية للمحور الاجتماعي: التعليم، والصحة، والسكان، وقضايا الأسرة والتماسك الاجتماعي، والثقافة والهوية الوطنية. وتضم اللجان الفرعية للمحور الاقتصادي: الدين العام، وعجز الموازنة، والإصلاح المالي؛ وأولويات الاستثمار العام وسياسة ملكية الدولة؛ والاستثمار الخاص (المحلي والأجنبي)؛ والصناعة؛ والزراعة والأمن الغذائي؛ والعدالة الاجتماعية.

2.  تشمل الأحزاب السياسية في الحركة المدنية الديمقراطية حزب الكرامة، وحزب الدستور، وحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، وحزب المحافظين، وحزب العيش والحرية، وحزب الوفاق القومي.

 


الصورة: موقع الرئاسة المصرية